ساسي سالم الحاج

33

نقد الخطاب الاستشراقي

يجاورهم وهو لا يزال فتيّا في مضمار النشوء والحضارة ألا وهو الشعب الروماني هذه الفرص ، فاستولى على مقاطعة مقدونيا ، وجزر اليونان ، وآسيا الصغرى ، وبلاد الشام وإفريقيا ، وأناخ الاستعمار الروماني بكلكله على هذه الأصقاع ، إلا أن الثقافة اليونانية تغلبت على الثقافة الرومانية ، وأصبحت هذه الإمبراطورية تستخدم اللغة اليونانية كلغة العلم والثقافة والمعرفة ، وفعلت الفلسفة اليونانية والديانة اليونانية فعلها في الرومان ، فتقوضت دعائم دين روما وأخلاقها ، وبلغ هذا الغزو الثقافي غايته في الفلسفة اليونانية . ولمّا نشأت مدينة القسطنطينية كانت الغلبة فيها للثقافة اليونانية فنافست في بادئ الأمر الثقافة الرومانية ثم تغلبت عليها أخيرا وحلت محلها . وهذه التفاعلات تناقض تلك المقولة القائلة « بتأثّر المغلوب بالغالب » . وفي هذا الصدد يقول « شيشيرون » : لم يكن منشأ الفيض الذي أقبل من بلاد اليونان إلى مدينتنا مجرى صغيرا ، بل كان منشؤه نهرا عظيما من الثقافة والعلم « 1 » . فأصبحت حياة روما الذهنية والفنية والدينية من بعده جزءا من العالم المصطبغ بالصبغة الهلينية . وكما يقول « هوراس » في هذا الصدد « أسرت بلاد اليونان المغلوبة غالبها الهمجي » « 2 » . أما بالنسبة لاتصال الرومان بالشرق ، فيتلخص في حلولها محل الإمبراطورية الإغريقية ، في هذه الأصقاع . وهكذا بعد أن تغلبت روما على إسبرطة وأثينا ، زحفت بجيوشها المدربة - تدريبا عسكريّا لا مثيل له في التاريخ - فاحتلت سوريا سنة 64 ق . م ، وانتهت بضم مصر إليها ثم غزت شمال إفريقيا بكامله بعد قضائها المبرم والنهائي على مدينة قرطاجنة التي صيرتها خرابا يبابا إلى يومنا هذا ، وذلك بعد حرقها وتدميرها وزرع أرضها بالملح حتى لا تنبت مرة أخرى ، وبقيت هذه اللعنة تطارد هذه البقعة إلى يوم الناس هذا . وهكذا ، لأول مرة في التاريخ تحول مركز التاريخ السياسي من آسيا إلى أوروبا ، وبقي إلى يومنا هذا باستثناء فترة السيادة العربية الإسلامية . وقد بلغت حدود الإمبراطورية الرومانية من المحيط الأطلسي غربا إلى الصحراء السورية العربية شرقا ، ولأول مرة في التاريخ أيضا توحد العالم الروماني تحت راية واحدة في وحدة سياسية قوية جمعت أشتاتا من الشعوب واللغات والحضارات . وهكذا حققت هذه

--> ( 1 ) ول ديورانت ، المرجع السابق . ( 2 ) ول ديورانت ، قصة الحضارة ، المرجع السابق الجزء التاسع ، الحضارة الرومانية ، ص 199 .